الآلوسي

77

تفسير الآلوسي

ومعنى : الظالمين المتجاوزين عن حد حكم القتال ، كأنه قيل : فان انتهوا عن الشرك فلا عدوان إلا على المتجاوزين عما حده الله تعالى للقتال وهم المتعرضون للمنتهين ، ويؤل المعنى إلى أنكم إن تعرضتم للمتقين صرتم ظالمين وتنعكس الحال عليكم - وفيه من المبالغة في النهي عن قتال المنتهين ما لا يخفى - وذهب بعضهم إلى أن هذا المعنى يستدعي حذف الجزاء ، وجعل المذكور علة له على معنى : فإن انتهوا فلا تتعرضوهم لئلا تكونوا ظالمين فيسلط الله عليكم من يعدوا عليكم لأن - العدوان - لا يكون إلا على الظالمين أو فإن انتهوا يسلط عليكم من يعدوا عليكم على تقدير تعرضكم لهم لصيروتكم ظالمين بذلك ، وفيه من البعد ما لا يخفى فتدبر . * ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بالشَّهْرِ الْحَرَامِ والْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ واتَّقُواْ اللَّهَ واعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) * * ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بالشَّهْر الْحَرَام ) * قاتلهم المشركون عام الحديبية في ذي القعدة قتالاً خفيفاً بالرمي بالسهام والحجارة ، فاتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه فكرهوا أن يقاتلوهم لحرمته . فقيل : هذا الشهر الحرام بذلك ، وهتكه بهتكه فلا تبالوا به * ( والْحُرُمَاتُ قصَاصٌ ) * أي الأمور التي يجب أن يحافظ عليها ذوات قصاص أو مقاصة ، وهو متضمن لإقامة الحجة على الحكم السابق ، كأنه قيل : لا تبالوا بدخولكم عليه عنوة ، وهتك حرمة هذا الشهر ابتداءاً بالغلبة ، فإن الحرمات يجري فيها - القصاص - فالصد قصاصه العنوة فإن قاتلوكم فاقتلوهم . * ( فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُواْ عَلَيْه بمثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) * فذلكة لما تقدمه ، وهو أخص مفاداً منه لأن الأول : يشمل ما إذا هتك حرمة الإحرام والصيد والحشيش مثلاً بخلاف هذا ، وفيه تأكيد لقوله تعالى : * ( الشهر الحرام بالشهر الحرام ) * ولا ينافي ذلك فذلكيته معطوفاً - بالفاء - والأمر للإباحة - إذا العفو جائز - ومَنْ تحتمل الشرطية والموصولية ، وعلى الثاني : تكون - الفاء - صلة في الخبر - والباء - تحتمل الزيادة وعدمها ، واستدل الشافعي بالآية على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد ، أو خنق ، أو حرق ، أو تجويع ، أو تغريق ، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح ؛ واستدل بها أيضاً على أن من غصب شيئاً وأتلفه يلزمه رد مثله ، ثم إن المثل قد يكون من طريق الصورة - كما في ذوات الأمثال - وقد يكون من طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له * ( واتَّقُواْ اللَّهَ ) * في الانتصار لأنفسكم وترك الاعتداء بما لم يرخص لكم فيه * ( واعْلموا أَنَّ اللَّهَ مَعُ الْمُتَّقينَ ) * بالنصر والعون . * ( وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) * * ( وَأَنْفقُواْ في سَبيل اللَّهَ ) * عطف على * ( قاتلوا ) * ( البقرة : 190 ) أي وليكن منكم إنفاق ما في سبيله * ( وَلاَ تُلْقوْا بأَيْديكُمْ إلَى التَّهْلُكَة ) * بترك الغزو والإنفاق فيه ، فهو متعلق بمجموع المعطوف والمعطوف عليه نهياً عن ضدهما تأكيداً لهما ، ويؤيد ذلك ما أخرجه غير واحد - عن أبي عمران - قال : كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم فحمل رجل من المسلمين حتى دخل فيهم ، فقال الناس : ألقى بيديه إلى التهلكة ، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : أيها الناس ، إنكم تؤولون هذه الآية هذا التأويل ، وإنما نزلت فينا معاشر الأنصار ، إنا لما أعز الله تعالى دينه وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت ، وإن الله تعالى قد أعز الإسلام ، وكثر ناصروه ، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد علينا ما قلنا وأنفقوا الخ ، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو . وقال الجبائي : التهلكة الإسراف في الانفاق ، فالمراد بالآية النهي عنه بعد الأمر بالانفاق تحرياً للطريق الوسط